موقع للتعريف بالاسلام الحقيقى الوسطى الذى انزله الله تعالى على رسوله الكريم محمد صل الله عليه وسلم دين السلام و الامن و الامان دون تعصب او كراهية ضد الاخر Site of the definition of the real Islam Central, which God revealed to His Prophet Muhammad honesty Pray God him a religion of peace, security and safety without intolerance or hatred against the other


الاثنين، 20 أبريل 2015

الفرق بين الضرورة والحاجة... تطبيقا على بعض أحوال المسلمين

مناقشة 

 تنزيل الحاجة منزلة الضرورة: 


قلت إن الحاجة لا يمكن اعتبارها قائمة مقام الضرورة بصفة مطلقة فى إباحة المحرم، بل إن الأصل أن الضرورة وحدها تبيح المحرم وأن هذا الحكم لا ينسحب على الحاجة كما قال الشافعى: «وليس يحل بالحاجة محرم إلا فى الضرورات» (الأم: ٣/٨٢). وقال الشافعى: «الحاجة لا تحق لأحد أن يأخذ مال غيره» (نفس المرجع: ص٧٧).
 
والسيوطى نفسه صرح بذلك: «أكل الميتة فى حالة الضرورة يقدم على أخذ مال الغير» (الأشباه والنظائر: ص٢٦)، ذلك أن أكل الميتة فيه حق الله تعالى فقط وأخذ مال الغير ومنه الربا فيه حق الله تعالى وحق الآدمى. قال القرافى: «وقد يوجد حق الله تعالى وهو ما ليس للعبد إسقاطه ويكون معه حق العبد كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات». (الفروق: ١/٠٤١-١٤١). فهذه العقود محرمة لحق الله وحق العباد فكيف يمكن تنزيل الحاجة فيها منزلة الضرورة بإطلاق.
وأكثر العلماء رأوا أن المصلحة الحاجية لا يترتب عليها حكم. قال الطوفى فى شرحه لمختصر الروضة: «لا يجوز للمجتهد أنه كلما لاحت له مصلحة تحسينية أو حاجية اعتبرها ورتب عليه الأحكام حتى يجد لاعتبارها شاهدًا من جنسها» (الطوفى: ٣/٧٠٢).
وقال ابن قدامة فى الروضة فى سياق حديثه عن المصالح المرسلة التى لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين، وهذا على ثلاثة ضرب: أحدها ما يقع فى مرتبة الحاجات (وضروب له أمثلة). الضرب الثانى ما يقع فى موقع التحسين (وذكر له أمثله) ثم قال: «فهذان الضربان لا نعلم خلافا فى أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل فإنه لو جاز ذلك كان وضعًا للشرع بالرأى ولما احتجنا إلى بعثة الرسل» (روضة الناظر: ١/٣١٤ وما بعدها).
ومن قال بتأثير المصلحة فى محل الحاجى شرط أن تكون جارية على أصول الشرع وقواعده متفقة مع مبادئه ومقاصده بحيث لا تنافى أصلا من أصوله ولا دليلا من أدلته. (الشاطبى «الاعتصام»: ٢/٩٢١)؛ لأن الحنيفية السمحة إنما أتى فيها بالسماح مقيدًا بما هو جار على أصولها، وليس تتبعًا للرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهى بثابت من أصولها. (الموافقات للشاطبى: ٤/٥٤١).
أما ما ليست قطعية كلية ولا فى موضع الضرورات فإنها من نوع المصالح التى قال عنها الغزالى أيضًا: «فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التى لا تلائم تصرفات الشارع فهى باطلة ومطروحة ومن صار إليها فقد شرع» أى حرام تبيحه الحاجة على القول بها إن مراتب الأحكام متفاوتة وأعلاها النهى ومراتب النهى عديدة وأعلاها الحرام والحرام مراتب. ولإيضاح ما نريده نورد كلمات القرافى الآتية فى فروقه: (الفرق الحادى والثلاثون بين الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة من الإباحة إلى الحرمة يكفى لها أيسر الأسباب). (الفروق للقرافى: ٣/٣٧٢).
وضرب أمثلة من المحرمات التى لا تباح إلا بأشد الشروط وأعلى الرتب، والحاجة ليست من أعلى الرتب، ومعلوم أن المنهى عنه يجب اجتنابه بنص الكتاب والسنة، ويرد للتحريم فى أغلب الأحيان ومقتضى التحريم يغلب على مقتضى التحليل غالبًا وهذه قواعد معروفة.
إلا أن المحرم أنواع، فمنه المحرم لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير، ومنه الحرام لكسبه: كالمأخوذ غصبًا أو عقد فاسد وهذا التقسيم لابن تيمية. (الفتاوى: ٩٢/٠٢٣).
والمحرم لكسبه متفاوت؛ فمنه محرم تحريم المقاصد؛ ومنه المحرم تحريم الوسائل والذرائع. فالأول أشد من الثانى.
والربا أشد محرمات العقود، وحرم الربا لأنه متضمن للظلم، فإنه أخذ فضل بلا مقابل، وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر (ابن تيمية). وقال أيضًا: «إن تحريم الربا أشد من تحريم القمار لأنه ظلم محقق».
والربا متفاوت: فربا الفضل لا يساوى ربا النساء، فإن تحريم هذا من تحريم المقاصد، وتحريم الآخر تحريم الوسائل وسد الذرائع، ولهذا لم يبح شىء من ربا النسيئة. (ابن القيم »أعلام الموقعين»: ٢/٧٠١).
ولتوضيح ما ذكره ابن القيم نذكر قول القرافى: «الأحكام على قسمين: مقاصد وهى المتضمنة للمصالح والمفاسد فى أنفسها، ووسائل: وهى الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد» (الفروق: ٢/٣٣).
من ذلك ندرك تفاوت مراتب النهى وأن الحاجة لا تدخل فى نهى من مرتبة عليا .. بالإضافة إلى أن ما قاله ابن القيم يمكن أن يقيد بقيد آخر غير التفريق بين المقاصد والوسائل بل إن الحاجة لا تؤثر حيث يوجد نص بخلافها كما قال ابن نجيم: «المشقة أو الحرج إنما يعتبر فى موضع لا نص فيه وأما مع النص بخلافه فلا يجوز التخفيف بالمشقة، ولذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله بحرمة رعى حشيش الحرم المكى وقطعه إلا الإذخر». (الأشباه والنظائر: ١/٧١١). ومفاد كلامه أن النص لا يعارض إلا بالضرورة لأنه من باب الرخص وذلك فرق آخر بين الحاجة العامة والضرورة.
إن الحاجة العامة لا تدخل فى المفهوم الخاص للرخصة لأن أثرها مستمر وإن كانت تدخل معها فى الاستثناء من أصل كلى فالرخصة هى ما شرع لعذر مع قياس الدليل المحرم لولا العذر.
وقد نبه الشاطبى على ذلك فى بحثه فى الرخصة إذ قال: «وأما الرخصة فما شرع لعذر شاق، استثناء من أصل كلى يقتضى المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه».
وفسر الفقرة الأخيرة بقوله: وكونه مقتصرا به على موضع الحاجة خاصة من خواص الرخص أيضًا لابد منه وهو الفاصل بين ما شرع من الحاجيات الكلية وما شرع من الرخص فإن شرعية الرخص جزئية يقتصر فيها على موضع الحاجة. فإن المصلى إذا انقطع سفره وجب عليه الرجوع إلى الأصل من إتمام الصلاة وإلزام الصوم. والمريض إذا قدر على القيام فى الصلاة لم يصل قاعدًا وإذا قدر على مس الماء لم يتيمم.
وكذلك سائر الرخص بخلاف القرض والقراض والمساقاة، ونحو ذلك مما هو يشبه الرخصة فإنه ليس برخصة فى حقيقة الاصطلاح لأنه مشروع أيضًا وإن زال العذر. فيجوز للإنسان أن يقترض وإن لم يكن به حاجة إلى الاقتراض وأن يساقى حائطه وإن كان قادرًا على عمله بنفسه أو بالاستئجار عليه وأن يقارض بماله وإن كان قادرًا على التجارة فيه بنفسه أو بالاستئجار وكذلك ما شبهه. والحاصل أن العزيمة راجعة إلى أصل كلى ابتدائى. والرخصة راجعة إلى جزئى مستعص عن ذلك الأصل الكلى. (الموافقات للشاطبى: ١/٠٠٣ - ٣٠٣).
وإذا كان كلام إمام الحرمين وتلاميذه يرمى إلى تعليل نصوص شرعية - غير اجتهادية - بالحاجة فإن المالكية توسعوا فى بناء الفروع الاجتهادية على الحاجى الكلى.
قال المواق بعد أن ذكر أنواعًا من عقود الإجارة التى لا يجيزها مالك: «وكان سيدى ابن سراج رحمه الله فيما هو جار على هذا لا يفتى بفعله ابتداء، ولا يشنع على مرتكبه فقصارى أمر مرتكبه أنه تارك للورع. وما الخلاف فيه شهير لا حسبة فيه ولا سيما إن دعت لذلك حاجة. ومن أصول مالك أنه يراعى الحاجيات كما يراعى الضروريات فأجاز الرد على الدرهم مع كونه يجعل مد عجوة من باب الربا وأجاز تأخير النقد فى الكراء المضمون. إلى أن قال: ويباح الغرر اليسير بخلاف باب الربا. وذكر من أجوبة لأصبغ بن محمد: قيل وكذلك ما يضطر إليه الرجل يستأجر الأجير يجرى له الزرع وله بعضه، قال ينظر إلى أمر إذا اضطروا إليه فيما لابد لهم منه ولا يجدون العمل إلا به فأرجو ألا يكون به بأس إذا عم ما بين ذلك مما يرجع فيه إلى أعمال الناس ولا يجدون عنه بدًا مثل كراء السفن فى حمل الطعام. وسُئل سيدى ابن سراج رحمه الله: هل تجوز المشاركة فى العلوفة أن يكون الورق على واحد وعلى الآخر الخدمة وتكون الزريعة بينهما على نسبة الحظ المتفق عليه؟ فأجاب: قد أجاز ما ذكر بعض العلماء، فمن عمل بذلك على الوجه المذكور للضرورة وتعذر الوجه الآخر فيرجى أن يجوز إن شاء الله. ورأيت له فتيا أخرى قال فيها: ويجرى ذلك على مقتضى قول مالك فى إجازة الأمر الكلى الحاجى».
وسئل عن الجباح(١) لمن يخدمها بجزء من غلتها، قال هى إجارة مجهولة وكذلك فى الأفران والرحى. وإنما يجوز ذلك على من يستبيح القياس على المساقاة والقراض وحكى هذا عن ابن سيرين وجماعة، وعليه يخرج اليوم عمل الناس من أجرة الدلال لحاجة الناس إليه وعليه الضمان لقلة الأمانة وكثرة الخيانة كما اعتذر مالك بمثل هذا فى إباحة تأخير الأجرة فى الكراء المضمون فى طريق الحج لأن الأكرياء ربما لا يوفون، فعند مالك هذا ضرورة إباحة الدَّين بالدين فالناس مضطرون لهذا والله المخلص (الموّاق: ٥/٠٩٣).
وقريب من هذا المنحى ما ذهب إليه بعض الأحناف فى مسائل الإجارة حيث قالوا: «وجاز إجارة القناة والنهر مع الماء، به نفتى لعموم البلوى مضمرات» (الدر المختار). علق ابن عابدين بقوله: قوله (مع الماء) أى تبعًا قال فى كتاب الشرب من البزازية لم تصح إجارة الشرب لوقوع الإجارة على استهلاك العين مقصودًا إلا إذا آجر أو باع مع الأرض فحينئذ يجوز تبعًا.
وأضاف ابن عابدين (تتمة) قال فى التاتر خانية وفى الدلال والسمسار يجب أجر المثل وما تواضعوا عليه أن فى كل عشرة دنانير كذا فذاك الحرام. وفى الحاوى سئل محمد بن مسلمة عن أجرة السمسار فقال أرجو أنه لا بأس به وإن كان فى الأصل فاسدًا لكثرة التعامل وكثير من هذا غير جائز فجوزه للحاجة لحاجة الناس إليه كدخول الحمام. وعنه قال: رأيت ابن الشجاع يقاطع نساجًا ينسج له كل سنة. (الحاشية: ٥/٨٣). وفى الدر المختار: (ويفتى اليوم بصحتها «الإجارة» لتعليم القرآن والفقه والإمامة والآذان ويجبر المستأجر على دفع ما قبل).
علق ابن عابدين بقوله: «قال فى الهداية: وبعض مشايخنا رحمهم الله تعالى استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم لظهور التوانى فى الأمور الدينية ففى الامتناع تضييع حفظ القرآن وعليه الفتوى».
وذكر مجموع ما أفتى به المتأخرون من مشايخنا وهم البلخيون على خلاف فى بعضه مخالفين ما ذهب إليه الإمام وصاحباه (حاشية ابن عابدين: ٥/٤٣-٥٣).
وهكذا نرى المتأخرين من أتباع الإمامين مالك وأبى حنيفة يتوسعون فى التعامل مع الحاجى أحيانًا مع مخالفة منصوص الإمام بناءً على ما فهموه من قواعد الإمامين.
وقد احتج الشيخ تقى الدين بن تيمية لابن عقيل فى مسألة إجارة الأرض والشجر بقوله: فإن قيل إن ابن عقيل جوز إجارة الأرض والشجر جميعًا لأجل الحاجة وأنه سلك مسلك مالك لكن مالكًا اعتبر القلة فى الشجر وابن عقيل عمم فإن الحاجة داعية إلى إجارة الأرض البيضاء التى فيها شجر وإفرادها عنها بالإجارة متعذر أو متعسر لما فيه من الضرر فجوز دخولها فى الإجارة كما جوز الشافعى دخول الأرض مع الشجر تبعًا فى المساقاة (الفتاوى: ٠٣/١٣٢).
وفى مذهب الشافعى ما حكى صاحب التلخيص عن نص الشافعى رحمه الله أن الأرزاق التى يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل قبضها. وبعد ذكره للخلاف فى هذه المسألة، قال النووى: «ودليل ما قاله الأول وهو الأصح أن هذا القدر من المخالفة للقاعدة احتمل للمصلحة والرفق بالجند لمسيس الحاجة» (المجموع: ٩/٨٦٢).
وقد أصل أبو إسحاق الشاطبى هذا المفهوم الحاجى واضعًا إياه فى إطاره الأصولى قائلاً: «ومما ينبنى على هذا الأصل قاعدة الاستحسان». وهو فى مذهب مالك الأخذ بمصلحة جزئية فى مقابل دليل كلى. ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس، فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع فى الجملة فى أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التى يقتضى القياس فيها أمرًا إلا أن ذلك الأمر يؤدى إلى فوات المصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك. وكثيرا ما يتفق هذا فى الأصل الضرورى مع الحاجى، والحاجى مع التكميلى، فيكون إجراء القياس مطلقًا فى الضرورى يؤدى إلى حرج ومشقة فى بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك فى الحاجى مع التكميلى، أو الضرورى مع التكميلى وهو ظاهر.
وله فى الشرع أمثلة كثيرة كالقرض مثلاً فإنه ربا فى الأصل لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل، ولكنه أبيح لما فيه من الرفق والتوسعة على المحتاجين، بحيث لو بقى على أصل المنع لكان فى ذلك ضيق على المكلفين. ومثله بيع العرية بخرصها تمرًا فإنه بيع الرطب باليابس، لكنه أبيح لما فيه من الرفق ورفع الحرج بالنسبة إلى المعرى والمعرى ولو امتنع مطلقًا لكان وسيلة لمنع الإعراء، كما أن ربا النسيئة لو امتنع فى القرض لامتنع أصل الرفق من هذا الوجه ومثله الجمع بين المغرب والعشاء للمطر وجمع المسافر، وقصر الصلاة، والفطر فى السفر الطويل، وصلاة الخوف، وسائر الترخصات التى على هذا السبيل، فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل فى تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص، حيث كان الدليل العام يقتضى منع ذلك لأنا لو بقينا مع أصل هذا الدليل العام لأدى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة، فكان من الواجب رعى ذلك المآل إلى أقصاه ومثله الاطلاع على العورات فى التداوى والقرض والمساقاة وإن كان الدليل العام يقتضى المنع وأشياء من هذا القبيل كثيرة.
هذا نمط من الأدلة الدالة على صحة القول بهذه القاعدة وعليها بنى مالك وأصحابه.
وقد قال ابن العربى فى تفسير الاستحسان بأنه إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخيص، لمعارضة ما يعارض به فى بعض مقتضياته. ثم جعله أقسامًا: فمنه ترك الدليل للعرف كرد الإيمان إلى العرف، وتركه إلى المصلحة كتضمين الأجير المشترك، أو تركه للإجماع كإيجاب الغرم على من قطع ذنب بغلة القاضى، وتركه فى اليسير لتفاهته لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق كإجازة التفاضل اليسير فى المراطلة الكثيرة وإجازة البيع والصرف فى اليسير. وقال فى أحكام القرآن: الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين، فالعموم إذا استمر والقياس إذا أطرد فإن مالكًا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأى دليل كان من ظاهر أو معنى. ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحــة، ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس، ويريان معًا تخصيص القياس ونقص العلة. ولا يرى الشافعى لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصًا. وهذا الذى قالا هو نظر فى مآلات الأحكام من غير اقتصار على مقتضى الدليل العام والقياس العام. (الموافقات للشاطبى: ٤/٥٠٢ - ٩٠٢).
ونتيجة لما تقدم من كلام الشاطبى فقد تدخل الحاجة فى تخصيص عموم وفى الغالب يكون عمومًا ضعيفًا.
ومعنى الضعف أن تكون الجزئية الوارد عليها التخصيص من نوادر الصور ويختلف فى دخولها فى حكم العام. قال فى مراقى السعود:
هل نادر فى ذى العموم يدخل
ومطلق أو لا خلاف ينقل
ويعنى بالنادر ما لا يخطر غالبًا ببال المتكلم لندرة وقوعه ولذا قال بعضهم: لا تجوز المسابقة على الفيل وجوزها بعضهم. والأصل فى ذلك لا سبق إلا فى خف.
قال زكريا: وجه عمومه أنه نكرة واقعة فى الإثبات وأنه فى حيز الشرط معنى إذ التقدير إلا إن كان فى خف. والنكرة فى سياق الشرط تعم. (راجع نشر البنود: ١/٨٠٢ وما بعدها).
وأجاز مالك تلاوة الحائض للقرآن حتى لا تنسى وهو مخصص لعام منع التلاوة للجنب.
وإذا قلت كيف تخصص الحاجة وهى ليست من المخصصات اللفظية من نصوص وظواهر الكتاب والسنة وغيرها كالإجماع والمفهوم بنوعيه والقياس؟
قلت: إنما يعزى التخصيص للاستصلاح أو الاستحسان الذى يعتمد على الحاجة وذلك أمر معروف فى المذهبين الحنفى والمالكى كما تقدم عن الشاطبى.
وإن الذى ينبغى التنبيه عليه أن هذه المسائل التى أجازها من أجازها للحاجة فإنها وإن كانت تخصيصًا من العموم فى النهى عن قراءة الجنب للقرآن والنهى عن قرض يجر نفعًا والنهى عن بيع قبل القبض، فإنه عموم ضعيف فى المسائل المخصوصة لأن حديث الجنب جاء فى معرض جنابة غير الحائض وهو حديث علي، فكان الحيض بمنزلة الصورة النادرة بالنسبة لراوى الحديث.
وكذلك فإن استثناء السفتجة وهى منفعة لا تشتمل على زيادة من الصور النادرة بالنسبة للمتكلم فإنه عندما يتحدث عن جر النفع فإنه يعنى بالأصالة الزيادة أو الهدية أو نحو ذلك وعلى هذا نبه ابن قدامة من طرف خفى عندما قال إنه لا نص فى تحريمها أى بخصوصها.
وقل مثل ذلك فى مسألة الأرزاق ومعلوم أن نوادر الصور مختلف فى دخولها فى العموم كما أسلفنا.

0 التعليقات:

إرسال تعليق